محمد الغزالي
115
فقه السيرة ( الغزالي )
مفاوضات ظنّ المشركون أن بطشهم بالمستضعفين ، ونيلهم من غيرهم سوف يصرف الناس عن الاستجابة لداعي اللّه ، وظنّوا أن وسائل السخرية والتهكّم التي جنحوا إليها ستهدّ قوى المسلمين المعنوية ، فيتوارون خجلا من دينهم ، ويعودون كما كانوا إلى دين ابائهم ، غير أن ظنونهم سقطت جميعا ، فإنّ أحدا من المسلمين لم يرتد عن الحقّ الذي شرفه اللّه به ، بل كان المسلمون يتزايدون ! ولم تفلح طرق الاستهزاء في الصدّ عن سبيل اللّه ، أو تشويه معالمها ، إنها زادت شعور المسلمين بما تزخر به الوثنية من معرّات ومخاز ، تستحق الفضيحة والاستئصال ، ما تصنع سخرية الجهول بالعالم ؟ ! . إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ ( 38 ) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ ( 39 ) . . . [ هود ] . رأت قريش أن تجرّب أسلوبا اخر تجمع فيه بين الترغيب والترهيب ، فلترسل إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم تعرض عليه من الدنيا ما يشاء ، ولترسل إلى عمه الذي يحميه تحذره مغبة هذا التأييد ، حتى يكلّم هو الاخر محمدا أن يسكت ، فلا يجرّ المتاعب على كافله ووليه . أرسلت قريش ( عتبة بن ربيعة ) - وهو رجل رزين هادئ - فذهب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : يا بن أخي ! إنك منا حيث قد علمت من المكان في النسب ، وقد أتيت قومك بأمر عظيم ؛ فرّقت به جماعتهم ، فاسمع مني أعرض عليك أمورا لعلّك تقبل بعضها : إن كنت إنما تريد بهذا الأمر مالا ، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا . وإن كنت تريد شرفا ، سوّدناك علينا ، فلا نقطع أمرا دونك .